هل الجمهور شريك في انتشار الأخبار الكاذبة؟ “استطلاع طلابي يكشف كيف تتحول ضغطة “مشاركة” إلى جزء من أزمة التضليل الرقمي”

في عصر تتساوى فيه سرعة الشائعة وسرعة الخبر الصحيح، لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ سلبي للمعلومة، بل أصبح طرفاً فاعلاً في إنتاجها وتداولها وتضخيمها. فكل مستخدم يملك هاتفاً وحساباً على منصة تواصل اجتماعي بات قادراً على نقل خبر إلى عشرات أو مئات وربما آلاف الأشخاص خلال ثوانٍ، دون أن يمر هذا الخبر بأي بوابة تحرير أو تحقق.
من هنا يطرح السؤال نفسه: هل الجمهور شريك في انتشار الأخبار الكاذبة؟
للإجابة عن هذا السؤال، أجرت رقمنة استطلاعاً مصغراً بين عدد من الطلاب، لرصد آرائهم حول مسؤولية المستخدم العادي في نشر الأخبار المضللة، ومدى وعيهم بأهمية التحقق قبل المشاركة.
يرى عدد من المشاركين أن الجمهور يتحمل جزءاً واضحاً من المسؤولية، لأن الخبر الكاذب لا يكتسب قوته من لحظة صناعته فقط، بل من لحظة تداوله. فالطالب محمد العتيبي يؤكد أن “الخبر الكاذب لا يصبح خطيراً إلا بعد أن يشاركه آلاف الأشخاص”، موضحاً أن كثيرين يعيدون نشر الأخبار لأن العنوان صـــادم أو لأن المحتوى يوافق قناعاتهم، دون قراءة التفاصيل أو الرجوع إلى المصدر الأصلي.
هذا الرأي يعكس جانباً مهماً من أزمة التضليل؛ فالمستخدم لا يرى نفسه غالباً ناشراً للمعلومة، بل مجرد ناقل لها. لكنه في الواقع يضيف إلى الخبر قوة جديدة كلما أعاد نشره، ويمنحه فرصة أوسع للوصول إلى جمهور جديد. وهنا تتحول المشاركة من فعل بسيط إلى مساهمة في تشكيل الرأي العام.
وتلعب المشاعر دوراً كبيراً في هذه العملية. فالطالبة سارة المالكي ترى أن الأخبار الكاذبة تنجح لأنها تخاطب الغضب والخوف والدهشة قبل أن تخاطب العقل. وتقول إن الخبر الذي يثير انفعالها يدفعها أحياناً إلى الرغبة في مشاركته فوراً، قبل أن تتوقف للتأكد من صحته. وهذا ما يجعل المحتوى المضلل أكثر قدرة على الانتشار، لأنه لا ينتظر من المستخدم أن يفكر طويلاً، بل يدفعه إلى التصرف بسرعة.
ويظهر هنا ما يُعرف بـ التحيز التأكيدي، أي ميل الإنسان إلى تصديق الأخبار التي توافق أفكاره السابقة. فعندما يصل إلى المستخدم خبر يؤكد ما يعتقده بالفعل، تقل رغبته في التحقق، ويزداد استعداده لنشره. وبهذا لا تنتشر الأخبار الكاذبة لأنها مقنعة دائماً، بل لأنها تأتي أحياناً في الوقت المناسب، وبالصيغة التي يرغب الجمهور في تصديقها.
لكن تحميل الجمهور جزءاً من المسؤولية لا يعني إعفاء المنصات الرقمية من دورها. فالطالب عبدالله النعيمي يشير إلى أن الخوارزميات تساهم في تضخيم المحتوى المثير للجدل، لأنها تكافئ التفاعل بغض النظر عن دقة المعلومات. ويرى أن المستخدم قد يشارك الخبر، لكن المنصة هي التي تدفعه إلى دوائر أوسع، وتمنحه قابلية أكبر للانتشار.
هذا الطرح يوضح أن المسؤولية في بيئة الإعلام الرقمي ليست فردية بالكامل، بل موزعة بين المستخدم والمنصة وصانع المحتوى والمؤسسات الإعلامية. فالمنصات التي تقدم المحتوى الأكثر إثارة في مقدمة الخلاصات الإخبارية تخلق بيئة يصبح فيها الخبر الصادم أكثر حضوراً من الخبر الدقيق، ويصبح التصحيح أبطأ من الشائعة.
وفي المقابل، ترى الطالبة ريم الكواري أن الحل يبدأ من التعليم والوعي الإعلامي. فبرأيها، لا يكفي أن نطالب الجمهور بالتحقق إذا لم نعلّمه كيف يتحقق. وتؤكد أن مهارات مثل فحص المصدر، والتأكد من تاريخ الخبر، واستخدام البحث العكسي عن الصور، يجب أن تكون جزءاً من الثقافة اليومية للطلاب، لا مجرد مهارات يتعلمها المتخصصون في الإعلام.
وتكشف هذه الآراء أن وعي الشباب بمشكلة الأخبار الكاذبة يتزايد، لكن الممارسة اليومية لا تزال بحاجة إلى تدريب وانضباط. فكثير من المستخدمين يعرفون نظرياً أن التحقق مهم، لكنهم يتخلون عنه عند مواجهة خبر عاجل أو مثير أو متوافق مع مشاعرهم وقناعاتهم.
أظهرت آراء المشاركين أن الجمهور يتحمل جانباً من المسؤولية في انتشار الأخبار الكاذبة، خاصة عندما يشارك المحتوى دون قراءة كاملة أو تحقق من المصدر. كما بيّنت الإجابات أن العاطفة، خصوصاً الغضب والخوف، تعد من أبرز دوافع المشاركة السريعة.
وكشفت الآراء كذلك أن المنصات الرقمية شريك أساسي في الأزمة، لأنها تمنح المحتوى المثير انتشاراً أكبر من المحتوى الهادئ أو التصحيحي. وفي الوقت نفسه، اتفق المشاركون على أن التربية الإعلامية تمثل خط دفاع ضرورياً لمساعدة الجمهور على التعامل الواعي مع الأخبار.
كما أشار الاستطلاع إلى أن الحل لا يكمن في منع المشاركة أو تخويف الجمهور، بل في تحويل المشاركة إلى فعل واعٍ ومسؤول، يقوم على السؤال والتحقق قبل النشر.
ولم يعد السؤال اليوم: من صنع الخبر الكاذب فقط؟ بل: من ساعده على الوصول؟
فالمعلومة المضللة لا تنتشر وحدها، بل تحتاج إلى جمهور يصدق، ومنصة تضخم، ومستخدم يشارك قبل أن يسأل.
وفي زمن أصبحت فيه ضغطة واحدة قادرة على إيصال المحتوى إلى جمهور واسع، تصبح المسؤولية الأخلاقية للمستخدم أكبر من أي وقت مضى. فكل مشاركة هي موقف، وكل إعادة نشر قد تكون مساهمة في بناء وعي صحيح، أو في ترسيخ رواية خاطئة.
لذلك، فإن الجمهور ليس مجرد ضحية للأخبار الكاذبة، بل قد يكون أحياناً شريكاً في انتشارها. والفرق بين الدورين يبدأ من لحظة صغيرة قبل المشاركة، حين يسأل المستخدم نفسه: هل أعرف أن هذا الخبر صحيح؟

إرسال التعليق