محمد بن سلعان المري الثقة تحت الإختبار والاعلام الرقمي في مواجهة خوارزميات الأخبار الكاذبة

لم تعد أزمة الإعلام في العصر الرقمي مجرد سباق على الخبر العاجل، ولا مجرد خطأ مهني يقع هنا أو هناك. الأزمة أعمق من ذلك بكثير. إنها أزمة ثقة بين الجمهور والمؤسسات الإعلامية، وأزمة علاقة بين السرعة والحقيقة، وأزمة وعي في فضاء رقمي بات مزدحماً بالأخبار، والشائعات، والمحتوى الموجّه، والصور الخارجة من سياقها.
في هذا المشهد المعقد، يصبح السؤال عن المصداقية سؤالاً مركزياً: هل لا يزال الجمهور يثق بالإعلام؟ وهل تستطيع المؤسسات الإعلامية أن تستعيد ما فقدته من ثقة في زمن صار فيه كل مستخدم ناشراً، وكل منصة غرفة أخبار مفتوحة، وكل خبر قابلاً للانتشار خلال ثوانٍ؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، التقت رقمنة المستشار الإعلامي محمد بن سلعان المري، مؤسس شركة تبيان الإعلامية المتخصصة في تحليل المشهد الإعلامي وقياس أثره، ورئيس لجنة الصحافة الثقافية في المركز القطري للصحافة. المري ليس مجرد متابع للتحولات الإعلامية، بل أحد الأصوات القطرية التي تقرأ أزمة المصداقية في الإعلام العربي بوعي نقدي، يجمع بين الخبرة المهنية والرؤية التحليلية.
في مكتبه، حيث تمتزج شاشات الرصد بتقارير التحليل الرقمي، بدا المشهد مناسباً تماماً لطبيعة الحوار. لم يكن الحديث عن الإعلام من زاوية نظرية بعيدة، بل من داخل عالم تتغير فيه الأخبار لحظة بلحظة، وتُقاس فيه الرسائل، وتُحلل ردود الفعل، وتُرصد تحولات الجمهور كما تُرصد الأحداث نفسها.
كان السؤال الأول مباشراً: كيف يمكن للمؤسسات الإعلامية المحترفة أن تتحقق من الأخبار وسط هذا التدفق الهائل للمعلومات؟
لم يتردد المري في الإجابة. بالنسبة إليه، التحقق ليس خطوة إضافية يمكن الاستغناء عنها عند ضغط الوقت، ولا ترفاً مهنياً تمارسه المؤسسات حين تسمح يسأل قبل أن يصدق، وأن يعرف أن السبق لا قيمة له إذا جاء على حساب الحقيقة.
ومن التحقق، ينتقل الحوار إلى سؤال أكبر: هل فقد الجمهور ثقته في الإعلام؟
يجيب المري بنعم، لكنه لا يتعامل مع هذه الإجابة كحكم نهائي على الجمهور أو الإعلام. فهو يرى أن الجمهور العربي اليوم أصبح أكثر تشككاً مما كان عليه قبل عشر سنوات، وهذا، في حد ذاته، ليس أمراً سلبياً بالضرورة. فالمتلقي الذي يسأل: “من كتب هذا؟ ولماذا الآن؟ وما مصدره؟” هو متلقٍ أكثر وعياً، يمارس حقه في المساءلة، ولا يكتفي بالاستهلاك السلبي للمحتوى.
لكن المشكلة تبدأ، في رأيه، عندما يتحول التشكيك الصحي إلى ما يسميه “العدمية المعلوماتية”. أي أن يصل الجمهور إلى قناعة خطيرة مفادها: لا شيء موثوق، إذن كل شيء متساوٍ. عند هذه النقطة، لا يعود الفرق واضحاً بين الصحافة المهنية والشائعة، بين التحقيق الموثق والمنشور العاطفي، بين المؤسسة التي تتحقق والحساب الذي يضخم.
هذا النوع من العدمية، كما يرى المري، يفتح الباب أمام المحتوى المضلل كي يملأ الفراغ. فحين يفقد الجمهور ثقته بكل المصادر، يصبح أكثر عرضة لتصديق ما يوافق مشاعره، لا ما يستند إلى دليل. وهنا لا يعود التضليل مجرد خطأ في المعلومة، بل يصبح أزمة في بناء الوعي العام.
وعند سؤاله عن المسؤولية، يرفض المري تحميل الجمهور العبء الأكبر. يقول بوضوح إنه لا يحب تحميل الجمهور المسؤولية وحده، لأن الجمهور يتصرف غالباً وفق ما أتيح له من معلومات وخيارات. المسؤولية الكبرى، في نظره، تقع على المؤسسات الإعلامية التي أخلّت أحياناً بعقدها التاريخي مع المتلقي.
فالإعلام، كما يشرح، خذل الجمهور حين فضّل الإثارة على السياق، والسبق على الصحة، والانحياز على الموضوعية. وحين تتكرر هذه الممارسات، لا ينبغي أن نستغرب من تراجع الثقة. فالجمهور لم يفقد ثقته من فراغ، بل نتيجة تراكم لحظات شعر فيها أن الإعلام لم يكن أميناً بما يكفي، أو شفافاً بما يكفي، أو شجاعاً بما يكفي في الاعتراف بأخطائه.
هنا يتوقف المري عند كلمة يراها مفتاح الحل: الشفافية.
بالنسبة إليه، لا يمكن استعادة ثقة الجمهور عبر الشعارات، ولا عبر تحسين الشكل البصري للمحتوى فقط، ولا حتى عبر استخدام تقنيات أكثر تطوراً. الثقة تُبنى عندما تقول المؤسسة لجمهورها كيف حصلت على الخبر، ومن أين جاءت المعلومة، وما الذي تعرفه حتى الآن، وما الذي لا تعرفه بعد. تُبنى عندما تعترف المؤسسة بخطئها إذا أخطأت، وتصحح علناً، ولا تتعامل مع التصحيح كأنه اعتراف بالضعف.
ويرى المري أن على الإعلام أن ينتقل من منطق “نحن نعرف وأنتم تتلقون” إلى منطق جديد يقوم على الشراكة. الجمهور لم يعد متلقياً سلبياً، بل صار قادراً على السؤال، والمراجعة، والمقارنة، وحتى كشف الأخطاء. ومن هنا تأتي أهمية ما يسميه المري “الإعلام يسأل قبل أن يصدق، وأن يعرف أن السبق لا قيمة له إذا جاء على حساب الحقيقة.
ومن التحقق، ينتقل الحوار إلى سؤال أكبر: هل فقد الجمهور ثقته في الإعلام؟
يجيب المري بنعم، لكنه لا يتعامل مع هذه الإجابة كحكم نهائي على الجمهور أو الإعلام. فهو يرى أن الجمهور العربي اليوم أصبح أكثر تشككاً مما كان عليه قبل عشر سنوات، وهذا، في حد ذاته، ليس أمراً سلبياً بالضرورة. فالمتلقي الذي يسأل: “من كتب هذا؟ ولماذا الآن؟ وما مصدره؟” هو متلقٍ أكثر وعياً، يمارس حقه في المساءلة، ولا يكتفي بالاستهلاك السلبي للمحتوى.
لكن المشكلة تبدأ، في رأيه، عندما يتحول التشكيك الصحي إلى ما يسميه “العدمية المعلوماتية”. أي أن يصل الجمهور إلى قناعة خطيرة مفادها: لا شيء موثوق، إذن كل شيء متساوٍ. عند هذه النقطة، لا يعود الفرق واضحاً بين الصحافة المهنية والشائعة، بين التحقيق الموثق والمنشور العاطفي، بين المؤسسة التي تتحقق والحساب الذي يضخم.
هذا النوع من العدمية، كما يرى المري، يفتح الباب أمام المحتوى المضلل كي يملأ الفراغ. فحين يفقد الجمهور ثقته بكل المصادر، يصبح أكثر عرضة لتصديق ما يوافق مشاعره، لا ما يستند إلى دليل. وهنا لا يعود التضليل مجرد خطأ في المعلومة، بل يصبح أزمة في بناء الوعي العام.
وعند سؤاله عن المسؤولية، يرفض المري تحميل الجمهور العبء الأكبر. يقول بوضوح إنه لا يحب تحميل الجمهور المسؤولية وحده، لأن الجمهور يتصرف غالباً وفق ما أتيح له من معلومات وخيارات. المسؤولية الكبرى، في نظره، تقع على المؤسسات الإعلامية التي أخلّت أحياناً بعقدها التاريخي مع المتلقي.
فالإعلام، كما يشرح، خذل الجمهور حين فضّل الإثارة على السياق، والسبق على الصحة، والانحياز على الموضوعية. وحين تتكرر هذه الممارسات، لا ينبغي أن نستغرب من تراجع الثقة. فالجمهور لم يفقد ثقته من فراغ، بل نتيجة تراكم لحظات شعر فيها أن الإعلام لم يكن أميناً بما يكفي، أو شفافاً بما يكفي، أو شجاعاً بما يكفي في الاعتراف بأخطائه.
هنا يتوقف المري عند كلمة يراها مفتاح الحل: الشفافية.
بالنسبة إليه، لا يمكن استعادة ثقة الجمهور عبر الشعارات، ولا عبر تحسين الشكل البصري للمحتوى فقط، ولا حتى عبر استخدام تقنيات أكثر تطوراً. الثقة تُبنى عندما تقول المؤسسة لجمهورها كيف حصلت على الخبـــــــر، ومن أيــــــن جاءت المعلومة، وما الذي تعرفه حتى الآن، وما الذي لا تعرفه بعد. تُبنى عندما تعترف المؤسسة بخطئها إذا أخطأت، وتصحح علناً، ولا تتعامل مع التصحيح كأنه اعتراف بالضعف.
ويرى المري أن على الإعلام أن ينتقل من منطق “نحن نعرف وأنتم تتلقون” إلى منطق جديد يقوم على الشراكة. الجمهور لم يعد متلقياً سلبياً، بل صار قادراً على السؤال، والمراجعة، والمقارنة، وحتى كشف الأخطاء. ومن هنا تأتي أهمية ما يسميه المري “الإعلام المحاسَب”؛ أي الإعلام الذي يقبل أن يكون كل محتواه قابلاً للمساءلة، ومفتوحاً للنقد، وغير محصن خلف هالة الاحتراف أو السلطة.
هذا التصور يعيد تعريف العلاقة بين الإعلام والجمهور. فالمصداقية لا تُمنح تلقائياً لأنها صادرة عن مؤسسة معروفة، بل تُكتسب يومياً من خلال الممارسة. وكل خبر دقيق يعزز الثقة، وكل خطأ غير معترف به يهدم جزءاً منها.
وقبل نهاية اللقاء، سألناه عن الرسالة التي يوجهها إلى طلاب الإعلام الذين يدخلون المهنة في لحظة تاريخية شديدة الحساسية. ابتسم المري، ثم قال: “تعلّموا أن تتشككوا بما تسمعون قبل أن تنشروه، وأن تحترموا الصمت حين لا تعرفون.”
هذه العبارة تختصر فلسفته في العمل الإعلامي. فالصحفي الجيد ليس من يملأ الفراغ بالكلام، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يصمت. وليس من يصل أولاً بأي ثمن، بل من يصل إلى الحقيقة بأكبر قدر ممكن من الدقة والإنصاف.
ويرى المري أن الجيل القادم من الصحفيين سيواجه تحديات لم تكن موجودة من قبل: الذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق، والخوارزميات، وسرعة الانتشار، وانهيار الحدود بين الصحفي وصانع المحتوى. لذلك، فإن المهارات التقنية مهمة، لكنها لا تكفي. فالصحفي يحتاج إلى ضمير مهني، وحس نقدي، وقدرة على الشك، واحترام عميق للمعلومة.
ففي عصر يستطيع فيه أي شخص أن ينشر، يصبح دور الصحفي الحقيقي ليس أن يضيف ضجيجاً جديداً، بل أن يضيف معنى. أن يفرز، ويتحقق، ويفسر، ويمنح الجمهور ما يساعده على الفهم لا مجرد الانفعال.
تكشف هذه المقابلة أن أزمة المصداقية في الإعلام الرقمي ليست مشكلة عابرة أو نتيجة مباشرة للتكنولوجيا وحدها، بل هي أزمة ثقافة مهنية وعلاقة ثقة. فالتكنولوجيا زادت السرعة، ووسعت الانتشار، وخلقت أدوات جديدة للتحقق والتضليل في الوقت نفسه، لكنها لم تُلغِ جوهر المهنة.
أوضحت إجابات محمد بن سلعان المري أن التحقق لم يعد مرحلة هامشية في العمل الصحفي، بل هو أساس وجود الإعلام المهني. فالصحافة التي تتخلى عن التثبت تفقد ميزتها الأساسية، وتصبح مجرد طرف آخر في سوق المحتوى.
كما أظهرت المقابلة أن الجمهور العربي أصبح أكثر وعياً وتشكيكاً، لكن هذا التشكيك يحتاج إلى أن يبقى في منطقة المساءلة الصحية، لا أن يتحول إلى فقدان كامل للثقة بكل المصادر. وهنا يأتي دور المؤسسات الإعلامية في إعادة بناء العلاقة مع الجمهور عبر الشفافية، والاعتراف بالأخطاء، وشرح آليات العمل.
وتؤكد المقابلة أن المسؤولية لا تقع على الجمهور وحده، بل تبدأ من غرف الأخبار التي يجب أن تعيد النظر في أولوياتها: هل تريد الوصول السريع فقط، أم تريد وصولاً مبنياً على الحقيقة؟ هل تريد التفاعل، أم تريد الثقة؟ وهل ترى الجمهور رقماً في نسب المشاهدة، أم شريكاً في الفهم والمساءلة؟
أما النتيجة الأهم فهي أن مستقبل الإعلام لن يصنعه من يمتلك أدوات أكثر فقط، بل من يمتلك ضميراً مهنياً أوضح، ومن يعرف أن الصمت أحياناً موقف مهني، وأن التأني قد يكون أكثر شجاعة من السبق.

إرسال التعليق

موضوعات ذات صلة