خوارزميات المنصات: من يتحكم بما نراه؟ – استطلاع يكشف كيف تؤثر الخوارزميات في اختياراتنا اليومية وما نصدقه

لم يعد ما يظهر على شاشات هواتفنا مجرد محتوى عشوائي، ولا ترتيباً زمنياً بسيطاً كما كان في بدايات منصات التواصل الاجتماعي. اليوم، تقرر الخوارزميات ما نراه أولاً، وما يبقى ظاهراً أمامنا، وما يختفي في زحام المحتوى. وبينما يظن كثيرون أنهم يختارون ما يشاهدونه بحرية كاملة، تكشف التجربة اليومية أن ما يصل إلى المستخدمين غالباً ما يكون نتيجة حسابات رقمية معقدة تراقب السلوك، وتقيس التفاعل، وتعيد ترتيب العالم داخل شاشة صغيرة.
في هذا الاستطلاع، حاولت رقمنة رصد آراء مجموعة من الطلاب حول تأثير خوارزميات المنصات في ما يشاهدونه يومياً، وكيف يمكن لهذه الأنظمة غير المرئية أن تشكل الوعي، وتدفع بعض الأخبار إلى الانتشار، وتحجب أخرى دون أن يشعر المستخدم بذلك.
تقول الطالبة نورة الهاجري إن أكثر ما يلفت انتباهها هو أن المنصات تبدو أحياناً وكأنها “تقرأ تفكيرها”. وتوضح: “بمجرد أن أشاهد مقطعاً عن موضوع معين، تبدأ المنصة بعرض عشرات المقاطع المشابهة. في البداية يبدو الأمر مفيداً، لكنه بعــــــد فترة يجعلني أشعر أنني محاصرة داخل نفس النوع من المحتوى”. هذا الشعور يعكس ما يعرف باسم فقاعة الفلتر، حيث تُغذي الخوارزميات المستخدم بمحتوى يشبه اهتماماته السابقة، فتقل فرص تعرضه لوجهات نظر مختلفة.
وتعمل الخوارزميات عادة من خلال تحليل إشارات دقيقة: مدة مشاهدة الفيديو، التوقف عند منشور معين، الإعجاب، التعليق، المشاركة، حفظ المحتوى، وحتى الحسابات التي يتفاعل معها المستخدم أكثر من غيرها. وبناءً على هذه الإشارات، تقرر المنصة ما الذي يستحق الظهور، وما الذي يمكن تجاهله.
يرى الطالب سالم المنصوري أن هذه الآلية تجعل المستخدم أكثر ارتباطاً بالمنصة دون أن ينتبه. ويقول: “أحياناً أدخل التطبيق لدقائق، ثم أجد نفسي قضيت ساعة كاملة. المحتوى لا ينتهي، وكل مقطع يبدو قريباً من اهتماماتي أكثر من السابق”. ويضيف أن الخوارزميات لا تهدف دائماً إلى تقديم المحتوى الأهم، بل إلى إبقاء المستخدم متابعاً لأطول وقت ممكن.
ويكشف هذا الرأي عن الجانب الاقتصادي في عمل الخوارزميات. فمعظم المنصات تعتمد على الإعلانات، والإعلانات ترتبط مباشرة بمدة بقاء المستخدم داخل التطبيق. لذلك يصبح المحتوى الأكثر إثارة، أو الأكثر قدرة على دفع المستخدم للتفاعل، أكثر حظاً في الانتشار، حتى لو لم يكن دائماً الأكثر دقة أو فائدة.
من جانبها، ترى الطالبة مريم الكواري أن تأثير الخوارزميات يصبح أخطر عندما يتعلق الأمر بالأخبار والقضايا العامة. وتقول: “إذا كانت المنصة تعرض لي الأخبار التي تشبه آرائي فقط، فقد أبدأ في الاعتقاد أن الجميع يفكرون بالطريقة نفسها. هذا يجعلني أقل استعداداً لسماع الرأي الآخر”. هنا تتحول الخوارزمية من أداة تقنية إلى عامل يؤثر في النقاش العام، لأنها قد تضيق مساحة الاختلاف وتزيد الاستقطاب بين المستخدمين.
وفي المقابل، لا يرى جميع الطلاب أن الخوارزميات سلبية بالكامل. فالطالب علي الشمري يعتقد أنها قد تساعد على إيصال محتوى مفيد إلى جمهور واسع، قائلاً: “اكتشفت حسابات تعليمية وثقافية كثيرة بفضل الاقتراحات. أحياناً الخوارزمية تساعدك على الوصول إلى محتوى لم تكن ستبحث عنه بنفسك”. ويشير هذا الرأي إلى أن الخوارزميات ليست شراً مطلقاً، بل يمكن أن تمنح فرصاً حقيقية لصناع محتوى جادين، وتفتح المجال أمام أصوات لم تكن قادرة على الوصول عبر الإعلام التقليدي.
لكن الإشكالية الكبرى، كما يظهر من آراء المشاركين، تكمن في غياب الشفافية. فالمستخدم لا يعرف بدقة لماذا ظهر له منشور معين، ولماذا اختفى غيره، ولا كيف تقيس المنصة اهتمامه. هذا الغموض يجعل الخوارزميات أشبه بـ “صندوق أسود” يمتلك سلطة كبيرة على المجال العام، من دون مساءلة واضحة.
وتؤكد الطالبة هند المري أن الوعي بطريقة عمل الخوارزميات يجب أن يكون جزءاً من التربية الإعلامية. وتقول: “لا يكفي أن نعرف كيف نتحقق من الخبر، بل يجب أن نفهم أيضاً لماذا ظهر لنا هذا الخبر أصلاً. أحياناً المشكلة ليست في الخبر وحده، بل في طريقة دفعه إلينا وتكراره أمامنا”. وهذا الرأي يربط بين أزمة الأخبار الكاذبة وأزمة الخوارزميات؛ فالمحتوى المضلل قد لا ينتشر فقط لأنه كاذب، بل لأنه مثير للتفاعل، والخوارزمية تكافئ ما يثير التفاعل.
أظهرت آراء الطلاب أن الخوارزميات أصبحت جزءاً مؤثراً من التجربة اليومية على منصات التواصل، وأن كثيراً من المستخدمين يشعرون بأنها تحدد لهم ما يشاهدونه بدرجة أكبر مما كانوا يتوقعون.
وكشفت الآراء أن أبرز المخاوف ترتبط بثلاث قضايا رئيسية: أولاً، حصر المستخدم داخل محتوى يشبه اهتماماته السابقة؛ ثانياً، دفع المحتوى المثير على حساب المحتوى الدقيق؛ وثالثاً، غموض آليات الترتيب والاقتراح داخل المنصات.
وفي المقابل، أشار بعض المشاركين إلى أن الخوارزميات يمكن أن تؤدي دوراً إيجابياً إذا استُخدمت في إبراز المحتوى التعليمي والثقافي والإنساني، أو في مساعدة المستخدمين على اكتشاف مصادر جديدة. وهذا يعني أن المشكلة ليست في التقنية وحدها، بل في الأهداف التي تُصمم من أجلها، وفي درجة وعي المستخدم بها.
كما أوضح الاستطلاع أن الطلاب لا يرفضون الخوارزميات بشكل كامل، لكنهم يطالبون بمزيد من الشفافية، وبقدرة أكبر على التحكم فيما يظهر لهم، وبمناهج تعليمية تساعدهم على فهم البيئة الرقمية التي يتعاملون معها يومياً.
لم تعد الخوارزميات مجرد خلفية تقنية تعمل بصمت، بل أصبحت لاعباً أساسياً في تشكيل ما نعرفه عن العالم. فهي لا تختار لنا المحتوى فقط، بل قد تؤثر في مزاجنا، واهتماماتنا، ونقاشاتنا، وحتى في الأخبار التي نصدقها أو نتجاهلها.
وبينما تقدم المنصات هذه الأنظمة باعتبارها وسيلة لتحسين تجربة المستخدم، فإنها في الوقت نفسه تعكس أولويات اقتصادية وتجارية تقوم على جذب الانتباه وإطالة مدة البقاء. لذلك، يصبح الوعي الرقمي ضرورة لا رفاهية.

إرسال التعليق

موضوعات ذات صلة