رئيس قسم المحليات بجريدة العرب أمير محمودالأخبار الكاذبة تهدد ثقة المجتمع بالإعلام

في زمن أصبحت فيه الأخبار تتحرك بسرعة تفوق قدرة الجمهور أحياناً على التحقق منها، لم تعد المنافسة بين المؤسسات الإعلامية تدور حول من ينشر أولاً فقط، بل حول من ينشر بدقة ومسؤولية. ومع تصاعد الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر للأخبار، باتت غرف الأخبار أمام اختبار يومي: كيف توازن بين سرعة النشر ودقة المعلومة؟
حول هذه الإشكالية، التقت رقمنة الصحفي أمير محمود، رئيس قسم المحليات في جريدة العرب، للحديث عن تحديات العمل الصحفي في مواجهة الأخبار الكاذبة، وآليات التحقق داخل غرف الأخبار، وتأثير التضليل الرقمي على المجتمع، خاصة بين الفئات الأصغر سناً.
يرى أمير محمود أن سرعة نشر الأخبار أثرت بالفعل على دقة المعلومة في كثير من الحالات، خصوصاً عندما يتحول السبق الصحفي إلى هدف بحد ذاته. ويؤكد أن المشكلة لا تكمن في السرعة وحدها، بل في غياب التحقق قبل النشر. فبرأيه، يمكن للصحفي أن يكون سريعاً ودقيقاً في الوقت نفسه إذا امتلك أدوات مهنية واضحة، لكن الخطر يبدأ عندما تنشر الوسيلة الإعلامية خبراً اعتماداً على منشور متداول أو مصدر غير رسمي لمجرد اللحاق بالترند.
ويقول في هذا السياق إن “السرعة مطلوبة في العمل الإعلامي، لكنها لا تعني التسرع. الخبر الذي يصل متأخراً لكنه صحيح أفضل من خبر عاجل ينهار بعد دقائق لأنه غير موثوق”. هذه العبارة تختصر جوهر التحدي الذي تعيشه غرف الأخبار اليوم: الجمهور يريد المعلومة فوراً، لكن المعلومة الفورية لا تكون ذات قيمة إذا كانت ناقصة أو مضللة.
وعن أكثر أنواع الأخبار الكاذبة التي تواجه الصحفيين في العمل اليومي، يشير محمود إلى أن الأخبار المرتبطة بالشأن المحلي والخدمات العامة تكون من أكثر الأنواع تداولاً وتأثيراً، لأنها تمس حياة الناس مباشرة. وتشمل هذه الأخبار شائعــات عن قرارات حكومية، أو تغييرات في الخدمات، أو معلومات غير دقيقة عن المدارس، أو الصحة، أو الأسعار، أو الإجراءات الرسمية. كما تنتشر أحياناً أخبار مفبركة تتعلق بالحوادث أو الطقس أو القرارات العاجلة، ويكون تأثيرها سريعاً لأنها تثير القلق لدى الجمهور.
ويضيف أن الأخبار الكاذبة لم تعد تأتي دائماً في صورة خبر واضح يمكن كشفه بسهولة، بل قد تأتي أحياناً في صورة “نصف حقيقة”، أي معلومة صحيحة جزئياً لكنها موضوعة في سياق خاطئ، أو صورة قديمة يعاد نشرها على أنها حديثة، أو تصريح مجتزأ يُستخدم لتكوين انطباع مغاير للحقيقة. وهذا النوع، في رأيه، أخطر من الكذب الصريح، لأنه يبدو مقنعاً ويصعب على الجمهور العادي كشفه بسرعة.
أما عن طريقة اكتشاف الخبر الكاذب أو غير الموثوق، فيوضح رئيس قسم المحليات أن أول خطوة هي العودة إلى المصدر الأصلي. فإذا كان الخبر يتعلق بجهة رسمية، فلا يكفي الاعتماد على منشور متداول أو رسالة في تطبيقات المحادثة، بل يجب التواصل مع الجهة المعنية أو مراجعة حساباتها الرسمية أو بياناتها المنشورة. ويؤكد أن الصحفي لا يتعامل مع الخبر بوصفه صحيحاً لمجرد أنه منتشر، لأن الانتشار ليس دليلاً على المصداقية.
ويشير إلى أن غرفة الأخبار تعتمد على أكثر من مسار للتحقق، من بينها مقارنة المعلومات بين مصادر مختلفة، وفحص الصور والفيديوهات، والتأكد من تاريخ النشر، ومراجعة السياق، والتواصل المباشر مع المصادر. ويقول: “أحياناً تكون الصورة صحيحة، لكنها من عام سابق أو من بلد آخر. وأحياناً يكون التصريح حقيقياً، لكنه قيل في سياق مختلف. لذلك لا بد أن نتحقق من المعلومة كاملة، لا من جزء واحد منها”.
ويؤكد محمود أن بعض الأخبار الكاذبة قد يكون لها تأثير كبير في المجتمع إذا انتشرت قبل تصحيحها، خصوصاً عندما تتعلق بموضوع حساس أو خدمة أساسية. فالخبر المضلل قد يسبب ارتباكاً بين الناس، أو يخلق ضغطاً على الجهات الرسمية، أو يدفع الجمهور إلى اتخاذ قرارات بناءً على معلومات غير صحيحة. وفي كثير من الأحيان، يصل التصحيح متأخراً مقارنة بسرعة انتشار الشائعة، مما يجعل أثر الخبر الكاذب مستمراً حتى بعد نفيه.
وعند الحديث عن الأدوات التي تساعد الصحفي في التحقق، لا يحصر محمود الأمر في البرامج الرقمية وحدها، رغم أهميتها. فهناك أدوات مثل البحث العكسي عن الصور، ومراجعة الأرشيف، وتتبع مصدر الفيديو، ومقارنة البيانات المنشورة، لكنها لا تغني عن الحس الصحفي والخبرة المهنية. فالتقنية تساعد، لكنها لا تفكر بدلاً من الصحفي. لذلك يرى أن أهم أداة في التحقق هي عقل الصحفي نفسه: قدرته على الشك، والسؤال، والربط بين التفاصيل، وعدم الانجرار وراء الإثارة.
ويحذر أمير محمود من التأثيرات الاجتماعية للأخبار الكاذبة، مؤكداً أنها لا تضر الإعلام فقط، بل تضر المجتمع كله. فحين يتعرض الجمهور باستمرار لمعلومات متضاربة أو مضللة، تبدأ الثقة في المؤسسات الإعلامية والرسمية بالتراجع، ويصبح الناس أكثر استعداداً لتصديق الشائعات. ومع الوقت، قد تتحول حالة الشك إلى نمط دائم في التعامل مع الأخبار، بحيث لا يعرف المتلقي أين يجد الحقيقة.
ويرى أن الأطفال والمراهقين من أكثر الفئات عرضة للتأثر بالأخبار الكاذبة، لأنهم يقضون وقتاً طويلاً على المنصات الرقمية، ويتعاملون مع المحتوى بسرعة وبشكل بصري أكثر من اعتماده على القراءة والتحقق. كما أن هذه الفئة قد تتأثر بالمؤثرين أو المقاطع القصيرة أو العناوين المثيرة أكثر من المصادر الرسمية. لذلك يشدد على أهمية التربية الإعلامية داخل المدارس والبيوت، حتى يتعلم الجيل الجديد كيف يسأل قبل أن يصدق، وكيف يتحقق قبل أن يشارك.
ويقدم محمود نصيحة مباشرة للجمهور: لا تشارك خبراً قبل أن تسأل عن مصدره. فإذا كان الخبر مهماً وحقيقياً، فغالباً ستجده منشوراً في أكثر من مصدر موثوق. أما إذا وصل عبر رسالة مجهولة أو حساب غير معروف، فيجب التوقف. كما ينصح الجمهور بقراءة الخبر كاملاً، لا الاكتفاء بالعنوان، والتأكد من التاريخ، ومراجعة الحسابات الرسمية عند الأخبار المرتبطة بالجهات الحكومية أو القرارات العامة.
وفي كلمته الأخيرة، يؤكد أمير محمود أن الإعلام الرقمي منح الناس فرصة غير مسبوقة للوصول إلى المعلومات والتعبير والمشاركة، لكنه في الوقت نفسه حمّل الجميع مسؤولية أكبر. فالمستخدم لم يعد متلقياً فقط، بل أصبح جزءاً من دورة النشر. وكل مشاركة غير متحققة قد تتحول إلى مساهمة في نشر التضليل.
ويختتم حديثه قائلاً إن مستقبل الإعلام لن يكون لمن ينشر أسرع فقط، بل لمن يحافظ على ثقة الجمهور. فالثقة، كما يرى، هي رأس مال الصحافة الحقيقي، وإذا فقدتها المؤسسة الإعلامية فلن يعوضها عدد المشاهدات ولا سرعة الوصول.
وكشفت إجابات أمير محمود أن أزمة الأخبار الكاذبة لم تعد مشكلة هامشية، بل أصبحت تحدياً يومياً داخل غرف الأخبار. فالسرعة زادت الضغط على الصحفيين، لكنها لا تبرر التنازل عن التحقق. كما أظهرت المقابلة أن الأخبار المحلية والخدمية من أكثر الأخبار عرضة للشائعات، لأنها تمس حياة الناس مباشرة وتنتشر بسرعة عند ارتباطها بمصالحهم اليومية.
وتؤكد المقابلة أيضاً أن التحقق لم يعد يعتمد على مصدر واحد أو أداة واحدة، بل على منظومة كاملة تشمل التواصل مع الجهات الرسمية، وفحص الصور والفيديوهات، ومراجعة السياق، واستخدام الأدوات الرقمية، إلى جانب الخبرة الصحفية.
كما تبرز أهمية التربية الإعلامية، خاصة للأطفال والمراهقين، باعتبارها خط دفاع أساسياً ضد التضليل، لا يقل أهمية عن دور المنصات والمؤسسات الإعلامية.
ولا تبدو مواجهة الأخبار الكاذبة مسؤولية الصحفي وحده، ولا الجمهور وحده، ولا المنصات وحدها. إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من غرفة الأخبار، وتمر عبر المنصات الرقمية، وتنتهي عند المستخدم الذي يقرر أن يشارك أو يتوقف.

إرسال التعليق

موضوعات ذات صلة