الكاتبة شيخة الزيارة – لا نمنع الطفل من الإعلام الرقمي..بل نعلّمه كيف يفهمه
ل لم يعد الطفل ينتظر الكتاب أو الحصة الدراسية ليحصل على المعلومة، أصبح الإعلام الرقمي حاضراً في تفاصيل يومه: فيديو قصير على يوتيوب، مقطع على تيك توك، لعبة تفاعلية، أو معلومة تظهر فجأة على شاشة الهاتف. هذا الحضور السريع والمكثف فتح أمام الأطفال أبواباً واسعة للتعلم والترفيه، لكنه في الوقت نفسه جعلهم أكثر عرضة للمعلومات الخاطئة، والأخبار الكاذبة، والمحتوى الذي قد لا يناسب أعمارهم أو قدراتهم على التمييز.
حول علاقة الأطفال بالإعلام الرقمي، وتأثير الأخبار الكاذبة على وعيهم وسلوكهم، التقت رقمنة الكاتبة عائشة الزيارة، للحديث عن دور الأسرة، وأهمية القصص في تنمية التفكير النقدي، وكيف يمكن للطفل أن يتعلم الفرق بين الخبر الصحيح والخبر المضلل بطريقة غير مباشرة وجذابة.
ترى الزيارة أن الإعلام الرقمي أصبح ظاهرة طاغية لا يمكن تجاهلها، وأن تأثيره لم يعد مقتصراً على الأطفال فقط، بل شمل مختلف الفئات العمرية. فالكبار والصغار يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي يومياً، ويتعاملون معها بوصفها مصدراً سريعاً للمعلومات. لكن خطورة الأمر، كما توضح، تظهر حين يصبح الإعلام الرقمي عند الطفل مصدراً رئيسياً للمعرفة، بل منافساً أحياناً لدور المعلم والمربي.
وتؤكد أن تأثير الإعلام الرقمي على الطفل يختلف حسب عدة عوامل، من بينها عمر الطفل، ومدة استخدامه، ونوع المحتوى الذي يتعرض له، والضوابط التي تضعها الأسرة. فالمشكلة ليست في وجود الإعلام الرقمي بحد ذاته، بل في طريقة استخدامه، وفي غياب التوجيه الذي يجعل الطفل قادراً على الانتفاع به دون أن يقع تحت تأثيره السلبي.
وفي حديثها عن اعتماد الأطفال على المحتوى الرقمي مقارنة بالكتب، تشير الزيارة إلى أن سهولة الوصول إلى المعلومة جعلت الطفل يميل غالباً إلى الشاشة أكثر من الكتاب. فالمعلومة التي كــــان الحصول عليها يتطلب بحثاً في كتاب أو سؤالاً لمعلم، أصبحت اليوم متاحة خلال ثوانٍ. ومع ذلك، لا ترى أن الحل يكون بمنع الطفل من الإعلام الرقمي، بل بتنظيم استخدامه وتوجيهه نحو المصادر الموثوقة.
وتقول إن حرمان الطفل من الوسائل الرقمية لم يعد خياراً واقعياً في هذا العصر، لأن هذه الوسائل أصبحت جزءاً من التعليم والتواصل والحياة اليومية. لكن المطلوب هو أن يتعلم الطفل كيف يسأل عن مصدر المعلومة، وكيف يفرّق بين المحتوى الموثوق والمحتوى العشوائي، وألا يتعامل مع كل ما يظهر أمامه كحقيقة نهائية.
وتوضح الزيارة أن الأطفال يمكن أن يتأثروا بالأخبار الكاذبة المنتشرة في الإعلام الرقمي، خاصة أنهم يميلون إلى تصديق ما يشاهدونه بسرعة. ورغم أن بعض الأطفال لديهم قدرة على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمزيف، فإن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والفيديوهات المفبركة يجعل التمييز أكثر صعوبة حتى على الكبار، فكيف بالأطفال؟
وتشير إلى أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في تصديق الطفل للخبر الكاذب، بل في الأثر النفسي والسلوكي الذي قد يتركه هذا الخبر. فقد يشعر الطفل بالخوف أو القلق بسبب معلومة مضللة عن مرض، أو حرب، أو أزمة، أو خطر غير حقيقي. وفي بعض الحالات، قد يلجأ الطفل إلى والديه ليسأل ويتحقق، وهذا سلوك إيجابي. أما الخطر، كما تقول، فهو أن يحتفظ الطفل بالمعلومة الخاطئة ويصدقها دون أن يناقشها مع شخص بالغ أو يعود إلى مصدر موثوق.
وتضرب الزيارة مثالاً بالمحتوى الصحي على الإنترنت، حيث قد يبحث الطفل عن عرض بسيط يشعر به، فيجد معلومات مبالغاً فيها أو غير دقيقة، فيتأثر بها نفسياً. كما أن الأخبار المتعلقة بالحروب والكوارث والأزمات قد تترك أثراً عميقاً على الطفل، خصوصاً إذا شاهدها دون شرح أو احتواء من الأسرة. وتؤكد أن درجة التأثر تختلف من طفل إلى آخر بحسب شخصيته ووعيه والبيئة المحيطة به.
وعند سؤالها عن مواقف لاحظت فيها تأثر الأطفال بالمحتوى الرقمي، تشير الزيارة إلى أن التأثير لا يظهر دائماً في صورة تصديق خبر كاذب فقط، بل قد يظهر في محاكاة الأطفال لصناع المحتوى واليوتيوبرز. وتذكر مثالاً لطفلة في الرابعة من عمرها تأثـــــــرت كثيراً بأسلوب اليوتيوبرز، وأصبحت تحاول تقليدهم في الكلام والحركة وطريقة الظهور.
وتوضح أن هذا المشهد كان نادراً قبل عشر سنوات في هذا العمر الصغير، لأن الأجهزة الإلكترونية لم تكن متاحة للأطفال بهذه السهولة. أما اليوم، فقد أصبحت الهواتف والأجهزة اللوحية في أيدي أطفال دون السادسة، مما جعل التأثر بالمحتوى الرقمي يبدأ في سن مبكرة جداً. وقد يصل الأمر، كما تقول، إلى أن يرغب طفل في السابعة في صناعة محتوى رقمي بهدف الشهرة أو الربح، تقليداً لمن يشاهدهم على المنصات.
وترى الزيارة أن هذا التأثير لا يمكن فصله عن البيئة المحيطة بالطفل. فالطفل لا يتأثر فقط بالمحتوى الذي يشاهده، بل بما تسمح له أسرته بمشاهدته، وبالقيم التي يتلقاها، وبمدى وجود حوار معه حول ما يراه. لذلك، فإن مسؤولية التوجيه لا تقع على الطفل وحده، بل على الأسرة والمربين وصناع المحتوى أيضاً.
ومن موقعها ككاتبة، تؤمن الزيارة بأن قصص الأطفال يمكن أن تكون وسيلة فعالة لتوعية الطفل بمفهوم الخبر الصحيح والخبر الكاذب. لكنها تشدد على أن الكتابة للأطفال لا يجب أن تكون مباشرة أو وعظية، لأن الطفل ينفر عادة من الأسلوب التوجيهي الواضح. فالكاتب، في رأيها، ليس معلناً يقدم رسالة جاهزة، بل صاحب قلم وفكر يقدم المعنى داخل حكاية تجذب الطفل وتدفعه للتفكير.
وتوضح أن القصص قادرة على تبسيط الثنائيات المهمة في حياة الطفل، مثل الصحيح والخطأ، والحقيقة والكذب، والخبر الموثوق والخبر المضلل. لكن نجاح القصة يعتمد على الطريقة، لا على الفكرة وحدها. فبدلاً من أن تقول القصة للطفل مباشرة “هذا صحيح وهذا خاطئ”، يمكن أن تضعه أمام موقف، وشخصيات، ونتائج، ليكتشف بنفسه الفرق ويتعلم من التجربة القصصية.
وترى الزيارة أن الأدب الموجه للأطفال يستطيع أن ينمّي التفكير النقدي، لأنه يمنح الطفل فرصة للتخيل والمقارنة وطرح الأسئلة. ومن خلال الشخصيات والأحداث، يمكن للطفل أن يرى نتائج تصديق معلومة خاطئة أو مشاركة خبر غير موثوق، دون أن يشعر بأنه يتلقى درساً مباشراً. وهنا يتحول الأدب إلى أداة توعية ناعمة، تساعد الطفل على الفهم دون إجبار.
أما عن مستقبل علاقة الأطفال بالإعلام الرقمي، فتتوقع الزيارة أن تزداد هذه العلاقة قوة في السنوات المقبلة، وأن يصبح الإعلام الرقمي جزءاً أساسياً من حياة الطفل، ليس فقط للترفيه، بل للتعلم والتواصل واكتساب المهارات. لكنها تؤكد أن هذا المستقبل يحتاج إلى توجيه واعٍ، حتى لا يتحول الانفتاح الرقمي إلى مصدر فوضى أو قلق أو تضليل.
وترى أن من الأساليب الفعالة في ذلك استخدام السرد القصصي والشخصيات التفاعلية، بحيث يعيش الطفل مواقف قريبة من واقعه، ويتعلم من خلالها كيفية التعامل مع الأخبار والمعلومات. فالطفل يتأثر بالشخصية التي تشبهه، ويفهم الرسالة بشكل أعمق عندما يراها داخل موقف حقيقي أو قصة قريبة من عالمه.
وتؤكد الزيارة أن الكتب الموجهة للأطفال حول الإعلام والأخبار الكاذبة ليست ممكنة فقط، بل ضرورية. فالأطفال يحتاجون إلى محتوى يساعدهم على فهم العالم الرقمي بلغة تناسب أعمارهم، بعيداً عن التعقيد والخوف. ويمكن هذه الكتب أن تطرح مواقف عن طفل يصدق خبراً غير صحيح، أو يشارك معلومة دون تحقق، أو يتعلم كيف يسأل والديه أو معلمه قبل أن يصدق ما يراه.
وتشير إلى أن بعض الكتب أو المبادرات قد تتناول هذه القضايا بشكل غير مباشر، حتى لو لم تحمل عنواناً صريحاً عن الأخبار الكاذبة. فالقصة قد تتحدث عن الصدق، أو التثبت، أو عدم تصديق كل ما يقال، وكلها موضوعات مرتبطة بالإعلام الرقمي والتضليل. لكن الحاجة اليوم أكبر إلى محتوى أكثر وضوحاً وانتشاراً، يربط بين عالم الطفل اليومي وشاشة الهاتف التي يستخدمها.
تكشف إجابات عائشة الزيارة أن الإعلام الرقمي أصبح جزءاً أساسياً من حياة الأطفال، وأن تأثيره يتوقف على طريقة الاستخدام والرقابة والتوجيه. فهو ليس خطراً مطلقاً، ولا فائدة مطلقة، بل أداة يمكن أن تبني وعي الطفل أو تربكه حسب البيئة التي تحيط به.
كما أظهرت المقابلة أن الأطفال أكثر عرضة لتصديق المعلومات الرقمية بسبب سهولة الوصول إليها وسرعة انتشارها، وأن الأخبار الكاذبة قد تؤثر في وعيهم وسلوكهم ونفسيتهم، خاصة في الموضوعات الصحية أو المرتبطة بالحروب والأزمات.
وتؤكد المقابلة أن المنع ليس حلاً عملياً، وأن البديل هو التنظيم والتوجيه والحوار. فالأطفال يحتاجون إلى من يشرح لهم، لا من يصادر أدواتهم فقط. كما تبرز أهمية قصص الأطفال بوصفها وسيلة تربوية قادرة على تعليم الطفل الفرق بين الصحيح والكاذب بطريقة غير مباشرة، تعتمد على الخيال والموقف والشخصية لا على الوعظ المباشر.
وتوضح الزيارة أن مستقبل الأطفال مع الإعلام الرقمي سيكون أكثر ارتباطاً بالشاشات والمنصات، مما يجعل التربية الإعلامية ضرورة منذ المراحل المبكرة، داخل البيت والمدرسة والكتب والمحتوى الرقمي نفسه.
الخاتمة
في نهاية الحوار، تبدو رسالة عائشة الزيارة واضحة: الطفل لن يعيش خارج العالم الرقمي، لذلك يجب أن نعلّمه كيف يعيش داخله بوعي. فالمشكلة ليست في أن يحمل الطفل جهازاً، بل في أن يواجه محتوى ضخماً دون أدوات تمييز أو حوار أو توجيه.
الإعلام الرقمي قد يكون نافذة للتعلم والمعرفة، وقد يكون مصدراً للقلق والتضليل. والفارق بين الحالتين تصنعه الأسرة، والمدرسة، والكاتب، وصانع المحتوى، وكل من يشارك في بناء وعي الطفل.



إرسال التعليق