صدّقت الخبر…واكتشفت الحقيقة متأخراً
كان المنشور واضحاً، مقنعاً، ومرعباً في الوقت نفسه. فيديو قصير لا يتجاوز أربعين ثانية، تُرفقه ترجمة تدّعي نقل تصريحات صادمة لمسؤول رفيع، وأسفله مئات التعليقات التي تؤكد وتشارك وتتعامل مع المقطع بوصفه حقيقة لا تقبل الشك.
أعدت نشر الفيديو قبل أن أنتهي من قراءة السطر الأول. لم أتوقف. لم أبحث عن المصدر. لم أسأل إن كانت الترجمة دقيقة. فقط ضغطت زر المشاركة. وبعد ست ساعات، اكتشفت أن الترجمة كانت مزيفة بالكامل، وأنني ساهمت، دون قصد، في نشر ما لم يُقَل أصلاً.
لم أكن استثناءً، بل كنت جزءاً من الإحصاء. تشير دراسات متعددة إلى أن نسبة كبيرة من مستخدمي الإنترنت يصدقون خبراً كاذباً في مرحلة ما من حياتهم الرقمية. وفي مساء أحد أيام مارس 2024، كنت واحداً من هؤلاء، حين وجدت نفسي أشارك مقطعاً مضللاً على تيك توك، ظننت للحظة أنه حقيقة عاجلة.
خلال 6 ساعات فقط، وصل الفيديو الكاذب إلى نحو 3 ملايين مشاهدة. أما التصحيح، فقد احتاج 3 أيام ليصل إلى 4,000 مشاهدة فقط. وبين الرقمين تتضح الفجوة المؤلمة بين سرعة الكذب وبطء الحقيقة.
اللحظة التي وقعت فيها في الفخ
كل شيء في الفيديو بدا حقيقياً: الصوت الجاد، الإطار المهني، الترجمة الواثقة، والتعليقات التي بدت كأنها صادرة عن أشخاص حقيقيين يعرفون ما يحدث. لم تكن المشكلة في أنني لم أملك أدوات التحقق، بل في أنني لم أستخدمها.
في اليوم التالي، نشرت وكالة أنباء موثوقة تفنيداً مفصلاً، أوضحت فيه أن الترجمة مزيفة بالكامل، وأن المقطع انتُزع من سياق مختلف تماماً. المسؤول لم يقل شيئاً مما نُسب إليه. لكن التصحيح جاء متأخراً، وبعد أن كان الفيديو قد انتشر بالفعل. عندها شعرت أنني لم أشارك خبراً فقط، بل شاركت في إضعاف الثقة.
لماذا صدّقت دون أن أتحقق؟
حين راجعت نفسي، وجدت إجابات لم تكن مريحة. أولاً، ظهر الفيديو على صفحتي لأن الخوارزمية اختارته لي بناءً على اهتماماتي السابقة؛ لم يكن ظهوره صدفة. ثانياً، التعليقات التي قرأتها كانت كلها تقريباً تؤكد الرواية نفسها، في ما يشبه الغرفة الصدوية التي تعرض علينا ما يشبهنا فقط. وثالثاً، وهو الأهم، أن الفيديو أثار فيّ غضباً حقيقياً، والغضب يقلل قدرتنا على التفكير النقدي ويدفعنا إلى المشاركة السريعة.
ما يؤلمني حقاً ليس أنني وقعت في الفخ، فكثيرون يمرون بتجربة مشابهة. ما يؤلمني هو الفارق الهائل بين انتشار المعلومة المضللة وانتشار التصحيح. فالخوارزمية لا تكافئ الدقة، بل تكافئ التفاعل. والخبر المثير، حتى لو كان كاذباً، يحصد اهتماماً أكبر من الحقيقة الهادئة.
وتشير دراسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع من الأخبار الصحيحة بنحو 10 مرات، لأنها غالباً أكثر إثارة وجِدّة وغرابة، وهي المعايير التي تحبها الخوارزميات وتدفعها إلى الواجهة.



إرسال التعليق