كيف تنتشر الأخبار الكاذبة في ثوانٍ؟

في الثالث عشر من أبريل 2013، انفجرت قنبلتان قرب خط النهاية في سباق ماراثون بوسطن. في غضون دقائق، كانت الأخبار تتدفق على تويتر، لكن كثيراً منها كان مختلطاً بالتخمين والأكاذيب المجردة. أُشيرَ إلى أشخاص أبرياء على أنهم منفذو التفجير، وانتشرت الاتهامات كالنار في الهشيم قبل أن تتمكن الشرطة من التحقق من أي شيء. كان ذلك درساً مبكراً على ما سيصبح عليه عالمنا الإعلامي اليوم: عالم تسبق فيه الرواية الزائفة الحقيقة بمسافة شاسعة.
هذا التقرير يبحث في الآليات التي تجعل الخبر الكاذب أسرع وأقوى وأكثر انتشاراً من الحقيقة — ولماذا نحن، كبشر ومستخدمين رقميين، نُساهم في ذلك دون أن ندري.
دور السوشيال ميديا
لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي قد صُمِّمت لتكون منصات إخبارية — لكنها أصبحت كذلك. فيسبوك وتويتر وإنستغرام وتيك توك باتت المصدر الأول للأخبار لدى شريحة واسعة من الناس، خاصة في الفئات العمرية الشابة. وهذا التحول حمل معه مشكلة جوهرية: هذه المنصات لا تُميّز بين خبر موثّق وآخر مُلفَّق. كلاهما يظهر في شريط التغذية بنفس الشكل، بنفس الخط، وبنفس زر المشاركة.
والأخطر من ذلك أن الخوارزميات لا تُكافئ الدقة — بل تُكافئ التفاعل. المنشور الذي يُثير الغضب أو الخوف أو الدهشة يحصل على مزيد من الانتشار، بصرف النظر عن صحته. وهكذا يتحول كل مستخدم إلى ناقل غير مُتعمَّد لرسائل قد تكون كاذبة تماماً، فقط لأنها كانت مثيرة بما يكفي لدفعه على الضغط على زر «إعادة النشر».
سرعة النشر في مواجهة دقة المعلومة
كان الصحفي في الزمن الورقي يكتب تقريره، يُراجعه المحرر، يدخل طاولة التحكيم، ثم يصل إلى القارئ. هذه العملية كانت بطيئة — لكنها كانت حاجزاً. اليوم، لا حاجز. يكفي أن يكتب أي شخص جملة ويضغط على «نشر» لتصل إلى آلاف الأشخاص في ثوانٍ.
المشكلة ليست في السرعة وحدها — المشكلة في أن الدماغ البشري مُعدٌّ للاستجابة للمعلومة الأولى التي يتلقاها. علم النفس يُسمي هذا «تأثير التثبيت»: حين تصل إلينا رواية ما أولاً، نميل إلى الاحتفاظ بها حتى حين تظهر أدلة تدحضها. الخبر الكاذب يستفيد من هذه الهشاشة البشرية — فيصل أولاً، ويتحصّن في أذهاننا قبل أن تتمكن الحقيقة من الوصول إلينا.
الخبر الكاذب
يصاغ بعناية لاستهداف المشاعر وينتشر خلال ثوانٍ ويُشكّل الرأي قبل التحقق منه. التصحيح الإعلامي
يتطلب تحققاً وتوثيقاً · يصل بعد ساعات أو أيام · يحظى بتفاعل أقل بكثير من الأصل.
جائحة كوفيد-19
مع انتشار فيروس كورونا، انتشرت معه موجة من المعلومات المضللة بلغت حداً جعل منظمة الصحة العالمية تُطلق عليها مصطلح «الوباء المعلوماتي» أو Infodemic. من ادعاءات بأن شرب الكحول أو أكل الثوم يقتل الفيروس، إلى مزاعم بأن شبكات الجيل الخامس هي السبب وراء الجائحة — وصلت هذه الأكاذيب إلى مئات الملايين، وتسببت في وفاة أشخاص جراء تناول مواد سامة اعتقدوا أنها علاج. الخطر لم يكن معلوماتياً فقط — كان حرفياً مميتاً.
حرائق أستراليا · 2020
حين اشتعلت حرائق الغابات في أستراليا، انتشرت على تويتر وفيسبوك ادعاءات بأن ناشطين بيئيين هم من أشعلوها عمداً. الخبر كان كاذباً تماماً، لكنه أُعيد تغريده مئات الآلاف من المرات، وأحدث استقطاباً حاداً في النقاش العام حول تغير المناخ. لم يصل التصحيح الرسمي إلى جزء يسير من هذا الانتشار.
الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي · 2023
في مارس 2023، انتشرت صور مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر اعتقال شخصيات سياسية بارزة. لم تكن الصور حقيقية، لكنها أُخِذت على محمل الجد من قِبَل كثيرين، وأُعيد نشرها من حسابات موثَّقة. كشف ذلك عن فجوة خطيرة: الأدوات التي تُميّز الصور المُولَّدة لا تزال أبطأ بكثير من سرعة انتشارها.
من يتحمل المسؤولية؟
ليس ثمة جهة واحدة يمكن إدانتها. المسؤولية مُوزَّعة على طبقات متشابكة: المنصات الرقمية التي تُفضّل التفاعل على الدقة، والمستخدمون الذين يُشاركون قبل أن يتحققوا، والمؤسسات الإعلامية التي تتسابق على السبق على حساب التثبّت، والأنظمة التعليمية التي لم تُعلّمنا بعدُ كيف نقرأ رقمياً بوعي نقدي.
غير أن هذا التوزيع للمسؤولية لا يعني أن لا أحد مسؤول، بل يعني أن الحل لن يأتي من اتجاه واحد. مكافحة الأخبار الكاذبة تحتاج إلى إجراءات من المنصات، وتشريعات من الحكومات، وثقافة تحقق لدى الأفراد، وصحافة تُعيد الثقة إلى نفسها بنفسها.

إرسال التعليق

موضوعات ذات صلة